ابو القاسم عبد الكريم القشيري
5
نحو القلوب
[ كتاب الأول نحو القلوب الصغير ] مدخل [ 1 - لم يخل القرآن الأقدس من لمحات صوفية . . . ] لم يخل القرآن الأقدس من لمحات صوفية « 1 » ، وليست التزكية في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 2 » إلا لمحة صوفية تتم بعلم وعمل ومتابعة . فالتزكية تحلية بالفضائل ، وتخلية عن الرذائل ، ثم بالتجلية في جلال الملكوت وجماله ، وكشف أعماقه وأسراره . وكذلك كان سائر الأنبياء والرسل مثالا للصوفية ، فمحمد صلّى اللّه عليه وسلم استمر سنوات يتردد على غار حراء متعبدا متجردا متنسكا حتى هبط عليه الوحي وهو في ذروة تصوفه ، وعيسى عليه السلام يعتزل الناس في خلوته يتأمل مع نفسه . . . وحين سئل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عن الإحسان أجاب : « أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » وصدر الحديث يصل بك إلى مقام المشاهدة ، ونهايته تمنحك مقام التقوى والمراقبة ، وما دامت هذه الرؤية ملء السمع والبصر والفؤاد لم يعد يرى الإنسان ذاته إلا من خلال « الله » فتعبده وكأنك تراه ! ! ثم تجد الهدف الأسمى يقرره الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : « لي وقت مع الله لا يسعني فيه إنس ولا جن ولا ملك ولا شيطان » . فالتصوف علم أصيل في الإسلام مستمد من الكتاب والسنة وليس بدعا في الدين . وفيه يقول الجنيد « 3 » : لو علمت أن لله علما تحت أديم
--> ( 1 ) ففي كثير من آياته عِبادِي البقرة : 186 ، إبراهيم : 31 . و عِبادِنَا يوسف 24 . يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ المائدة : 54 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ التوبة : من آية 100 أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ المجادلة : 22 فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ البقرة : 115 . ( 2 ) الجمعة : 2 . ( 3 ) سيد هذه الطائفة وإمامهم ، أصله من نهاوند ت 297 ه . وكان الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه ، والفقهاء لتقريره ، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه ، والمتكلمون لتحقيقه ، والصوفية لإشاراته وحقائقه ( الرسالة : 105 ) .